ثقافة ولدت في تونس: "طاووس عمروش" الكاتبة والمطربة الأمازيغية التي عانت ألم التهميش ووجع المنفى فكان صوتها وقلمها عبقًا للهوية المنسية
ليس أقسى من وجع حرمان الإنسان من وطنه ومن جنسيته لا لشيء إلّا لاختياره اعتناق دين آمن به وألهمه، ولئن كان اعتناق دين غير الدين المتأصّل في الفرد فطرة بمثابة الجرم والخطيئة لدى حارسي المعبد فإنّ اعتناق دين المحبة والحياة والتحرّر كان دائما حاملا لنسمات الإبداع والتفرّد...
هذا ممّا عاشته الروائية والموسيقية ومدوّنة الشعر الكلاسيكي القبائلي والمناضلة النسوية "طاووس عمروش" التي ولدت بتاريخ 4 مارس 1914 في تونس التي تلقت فيها دراستها الابتدائية والثانوية قبل أن تنتقل إلى فرنسا سنة 1935 أين أكملت فيها مسيرتها الحياتية حاملة لأوجاع ازدواجية الهوية والمنفى ومخلصة للإرث الأمازيغي الذي وشمته في كل تفاصيلها...
وكانت عائلة طاووس عمروش من صفوة المثقفين القبليين الجزائريين الذين تنكّر لهم بلدهم خاصة بعد اعتناقهم للكاثوليكية الرومانية، وقد فرّت هذه العائلة بعد معاناتها من الإضطهاد في موطنهم لأسباب إيديولوجية...
فكانت والدتها فاطمة آيت منصور (التي توصّفها طاووس دوما بأنها عبارة عن شجرة مثمرة) واحدة من مُؤسِّسات الحركة النسوية في الجزائر والشاعرة والروائية صاحبة كتاب "تاريخ حياتي"، أمّا شقيقها جان عمروش صاحب مقولة "أكتب بالفرنسية وأبكي بالأمازيغية" فكان شاعرا ومناضلا ونشر في تونس بمساعدة صديقه الكاتب الفرنسي أرمان غيبير مجموعتين شعريّتين الأولى بعنوان "رماد" (1934) والثانية تحت مسمّى "نَجمة سرِّيَّة" (1937).
كما كتب خلال تلك فترة عيشه صحبة عائلته بتونس قصائد ومقالات نقدية في عدة مجلات تونسية، وألقى محاضرات في «دار إِيْسور» في تونس. كما صدر له سنة 1939 بالعاصمة، ديوان بعنوان "أغان بربرية من بلاد القبائل" تولى فيه ترجمة قصائد أمازيغية تعلّمها من والدته فاطمة آيت منصور إلى اللغة الفرنسية.
أمّا طاووس واسمها الكامل ماري لويز طاووس، فتعتبر أوّل كاتبة جزائرية أمازيغية نشرت باكورة أعمالها سنة 1947 بعنوان "الزنبقة السوداء" (Jacinthe noire) الكتاب الذي عرّت فيه وجع بحثها عن الهوية المفقودة في سيرتها الذاتية وكانت روايتها البكر أول رواية تُنشر في فرنسا بقلم مؤلفة من شمال إفريقيا، الى جانب عدد من المؤلفات الأخرى من بينها "الياقوتة السوداء" 1947، "طريق الدفوف" 1960، "البذرة السحرية" 1966، العاشق المتخيل 1975، "دفاتر حميمة"، عزلة أمي (1995) الصادرة بعد وفاتها.
وإلى جانب شغفها بعالم الكاتب والإبداع، لمع نجم طاووس في عالم الموسيقى الذي حاكت فيه سردية منسية عمّا يعيشه العالم القبلي الأمازيغي بالجزائر، فأدت العديد من الأغاني الأمازيغية من خلال النمط الغنائي "آشويق" وهو نوع من الفن القبائلي والموسيقى الأمازيغية التي تخصصت فيها نساء منطقة القبائل في الجزائر، وأصدرت المطربة في هذا الإطار عديد الألبومات الغنائية منها "أغان قبلية أمازيغية" سنة 1967، "أغان من جبال الاطلس" سنة 1971، و"أغاني حجر الرحى والمهد" سنة 1975.
عاشت طاووس عمروش وعائلتها واقعا مريرا من النسيان والتنكّر وطمس السيرة من بلدها الجزائر وتمّ إتلاف تسجيلاتها من القناة الثانية ولم تكن تزور موطنها الأصلي إلّا قليلا إلى أن رحلت بعد رحلة مع مرض السرطان في 2 أفريل 1976 لتوصي بدفنها في فرنسا وأن لا يكتب أي شيء على شاهد قبرها سوى اسمها "طاووس"...

صورة نادرة وغير مؤرخّة لعائلة المطربة الامازيغية طاووس عمروش أثناء تواجدهم بتونس التي لجؤوا إليها هربا من الاضطهاد بالجزائر بعد اعتناقهم للكاثوليكية الرومانية.
في هذه الصورة، تجلس "طاووس" مرتدية اللون الأبيض على ركبتي والدتها فاطمة آيت منصور.

صورة أخرى لعائلة عمروش في تونس سنة 1922
منارة تليجاني